مجموعة مؤلفين
94
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
فالنفس يحجبها عن إدراك الجلال الإلهى حجب المخلوقات ، لأن كل مخلوق هو بمثابة حجاب يحول بين النفس وبين النفوذ إلى سر الحقائق الإلهية ، ولا تستطيع النفس المحجوبة هذه أن تصل إلى اللّه إلا بالمجاهدة والتجرد ، فذلك قد يؤدى إلى تبديد هذه الحجب ، والكشف عن الأسرار الروحية الإلهية ، وتلك هي « المكاشفة » التي بها ندرك المعاني الممثلة للحقائق الإلهية ، لا ماهية تلك الحقائق ، لأن إدراك الماهية الموضوعية للحقائق الإلهية هو ما نعنيه « بالمشاهدة » ؛ فالكشف عملية استدلالية ، نستدل فيها بشئ ما على إخدى الحقائق الإلهية ، وأما المشاهدة فرؤية مباشرة لتلك الحقائق ، ولا استدلال فيها « 1 » وبين المكاشفة والمشاهدة يكون « التجلي » الذي هو ظهور نوراني للذات الإلهية وصفاتها ، لا يلبث أن يزول . والمهم لموضوعنا من هذا كله هو أن المكاشفة تستخدم لها رموز « الحجب » ؛ و « التجلي » ، تستخدم له رموز النور الذي يظهر ويختفى ؛ و « المشاهدة » تستخدم لها رموز النور الثابت ، والمرآة التي ينعكس عليها ذلك النور . ( أ ) فمن رموز الحجب « القباب الحمر » و « الخيام البيض » وكلتاهما للمستتر من الحقائق ؛ ومنها « ظلام الليل » الذي يرمز إلى حجاب الغيب ، ومنها « الضحرات » التي ترمز إلى الأجساد حين تخفى الأرواح ، ومنها « العين في الخام » إشارة إلى حقائق العلوم الربانية التي هي بطبعها كاشفات كالحسان الفاتكات باللحظ ، لكنها محجوبة عن الإدراك ، ومنها « الغرب » - بالقياس إلى « الشرق » - لأن الغرب رمز للغيب ؛ ومنها « الخدور » و « راقد الليل » ومنها « حاجر » وهو اسم مكان لكنه يتخذ رمزا للحدود التي لا يستطيع الإنسان اجتيازها لإدراك ما يطلبه ، ومنها « الأغوار » - بالقياس إلى « الجبال » - لأنها تشير إلى المواضع الغيبية ، و « الظبي المبرقع » الذي يشير إلى الحقيقة محجوبة بحالة نفسية .
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 213